القائمة إغلاق

سراديب الموتى تحت قرية نيروبايسكه (مقاطعة أوديسا)

عن السراديب

تُعدّ السراديب واحدة من أشهر عجائب «جنوب بالميرا». لكن قلة من الناس تعرف أن هذه السراديب لا تمتد فقط تحت المدينة نفسها، بل تمتد أيضاً لعشرات الكيلومترات حولها. ومن المواقع التي تثير اهتمام الزوار المناجم الواقعة تحت قرية نيروبايسكه. وقد ظهرت هذه البلدة منذ زمن القوزاق الزابوريجيين، وحصلت على اسمها بفضل اتفاق عدم اعتداء مع الأتراك؛ إذ ارتبط الاسم بعبارة تعني «لا تضرب». وكان القوزاق الذين ألقوا السلاح أول من استقروا في هذه المزرعة الصغيرة التي توسعت لاحقاً وتحولت إلى قرية. وبدأ استخراج الحجر في محيط القرية في أواخر القرن الثامن عشر، أما شبكة السراديب تحتها فتتجاوز اليوم 300 كيلومتر.
في فترات مختلفة استُخدمت سراديب هذه المنطقة لأغراض متعددة. فعلى سبيل المثال، بعد ثورة أكتوبر عام 1917 أصبحت هذه الممرات جزءاً من الصراع بين عالمين متناقضين: عالم الاشتراكية وعالم الرأسمالية. وفي نهاية عام 1918 اختار قادة دول الوفاق أوديسا كإحدى قواعد الانطلاق للتقدم نحو عمق البلاد. وكانت صحيفة «الشيوعي» من أشهر المطبوعات الشيوعية في تلك الفترة. في البداية كانت تُطبع في مطابع خاصة، لكن ذلك كان مكلفاً للغاية، لأن الصحيفة كانت تُعد غير قانونية، وكان إصدارها أو توزيعها يعرّض صاحبه للإعدام رمياً بالرصاص. وقد صُوّرت هذه المرحلة بوضوح في فيلم «الجولات الخطرة» للمخرج فيدور سيلتشينكو. قام البلاشفة بمحاولات عديدة لإنشاء مطبعة سرية خاصة بهم. وساعدت في إنشاء أول مطبعة والدة أحد موزعي المنشورات، وهو ميخايلو إيفانتشينكو. وكانت المرأة تعيش في كوخ محفور في الأرض عند أطراف المدينة. وهناك حاولوا تجهيز قبو ووضع آلة الطباعة فيه، لكن المياه الجوفية غمرت المكان وأفشلت الخطة. وتُعرف محاولات كثيرة أخرى لإنشاء مواقع مماثلة للطباعة، لكن واحدة فقط نجحت بالفعل: وهي المطبعة الموجودة تحت الأرض. لم يقع اختيارهم على سراديب نيروبايسكه مصادفة، إذ كان بإمكان الطابعين الدفاع عن أنفسهم وبيع حياتهم بثمن باهظ إذا انكشف أمرهم. وكان للموقع مدخلان: أحدهما من جهة وادٍ مغطى بالقصب، والآخر من قبو أحد السكان المحليين. وبعد اكتمال الأعمال التحضيرية نُقلت آلات الطباعة عبر نقطة تفتيش تابعة للحرس الأبيض على شكل أجزاء منفصلة، على أنها قطع غيار لآلة زراعية. وكان موقع المطبعة يبعد أكثر من 800 متر عن المدخل، لذلك اضطر المنظمون إلى الزحف عبر الأنفاق الضيقة وهم يحملون القطع على أكتافهم. وكانت المناوبات في الموقع تستمر من 24 إلى 36 ساعة بحسب طبيعة العمل والوضع على السطح.
كما لعبت سراديب نيروبايسكه دوراً مهماً خلال الحرب العالمية الثانية. ففي متاهات الأنفاق والممرات المتشابكة تمركز جزء من فرقة الأنصار التابعة لمولدتسوف–باداييف. وفي الوقت الذي كانت فيه الفرقة الرومانية الرابعة، بدعم من القوات الألمانية، تهاجم المدينة، كانت قواعد الأنصار تُنشأ في السراديب. وتمركزت مجموعة مولودتسوف على عمق يتراوح بين 25 و30 متراً تحت نيروبايسكه. وقد جُهزت هناك مقرات للقيادة، ومستودعات غذائية تكفي نحو نصف سنة، وترسانة تضم 7 رشاشات و60 بندقية و200 قنبلة يدوية وما يصل إلى طن من مادة التولو، إضافة إلى أجهزة اتصال لاسلكية للتواصل مع موسكو. وعندما دخلت قوات العدو المدينة في 16 أكتوبر، بدأ أفراد مجموعة باداييف تنفيذ عمليات استطلاع وتخريب. انقسمت المجموعة إلى جزء تحت الأرض وآخر فوقها، وكان مركز قيادة مولودتسوف في السراديب. وتولت ما عُرف باسم «العشرة الشبابية» من المجموعة السطحية، المؤلفة من مراهقين أعمارهم بين 16 و17 عاماً بقيادة ياكوف غورديينكو، مهمة الربط بين خلايا المقاومة. وقد نفذ الأنصار أعمالاً نشطة في الاستطلاع والتخريب، وتمكنوا حتى من تفجير خط السكك الحديدية، مما أدى إلى خروج قطارين عسكريين عن السكة.
ولم يكن لدى الرومانيين أي وسيلة للقضاء على المجموعات تحت الأرض، لأن السراديب واسعة جداً وتضم مخارج كثيرة. لكن في يناير عام 1942 نجحت الاستخبارات المضادة الرومانية في تجنيد قائد المجموعة السطحية بيترو بويتشينكو. ونتيجة لذلك، في 9 فبراير، اعتُقل فولوديمير مولودتسوف وتامارا ميجيغورسكا وياكوف غورديينكو واثنان آخران من المقاومين في شقة سرية تعود إليه. وقد تمكن أحد المعتقلين من إيصال رسالة إلى أقاربه، إذ كُتبت على أطراف منديل دموي عبارة تقول: «بويكو خاننا…». وهكذا عرف رفاق باداييف الذين بقوا أحراراً اسم الخائن. وأُعدم مولودتسوف بقرار من محكمة رومانية في 3 يوليو 1942. وبحلول عام 1944 لم يبقَ على قيد الحياة سوى 12 فرداً من أفراد هذه المجموعة الأسطورية.
بدأت أعمال دراسة ورسم خرائط سراديب نيروبايسكه عام 1998. وخلال إعداد الخرائط تم اكتشاف كثير من الأماكن والأشياء المثيرة للاهتمام. وغالباً ما تُمنح مناطق المحاجر أسماء مستمدة من اللقى أو الحوادث التي تقع فيها. ومن هذه المناطق ممر يُعرف باسم «ممر ليوبكا»، وله قصة حزينة. في خمسينيات القرن الماضي نزلت فتاة تُدعى ليوبوف إلى السراديب وكادت تتعرض لانهيار صخري. فقد أغلقت الحجارة المتساقطة الطريق الوحيد الذي تعرفه نحو الخروج. وأثناء محاولتها العثور على طريق بديل ضلت طريقها تماماً ولم تتمكن من مغادرة المتاهة. وبقيت رفاتها في السراديب عشر سنوات كاملة قبل العثور عليها وإعادة دفنها. ومن هنا جاءت تسمية هذه المنطقة. وتغطي جدران الممرات التي لا نهاية لها كتابات وعلامات ورسومات وأرقام كثيرة تعود إلى فترات مختلفة؛ فإلى جانب رسوم عمّال المناجم القديمة وحساباتهم تظهر علامات ورسوم حديثة. وكثير من هذه الرسوم يجسد أساطير وحكايات المدينة تحت الأرض. فعلى سبيل المثال، يمكن رؤية صور «سكان السراديب» — وهم كائنات غامضة من أساطير المناجم. كما تظهر صورة السيدة البيضاء والفتاة الخضراء، وكلتاهما شخصيتان من الفولكلور المحلي الخاص بالسراديب. وتظهر أيضاً رسومات للسفن والكنوز والرسوم الساخرة والطرائف الودية. وكل ذلك جزء لا يتجزأ من عالم السراديب.
ويمكن التعرّف إلى هذا كله وأكثر عند زيارة المتاهة برفقة المرشدين، الذين يسعدهم أن يقودوا الزوار عبر أكثر المسارات إثارة وأن يرووا عدداً كبيراً من القصص. فالأكثر متعة أن تمسك المصباح بيدك وتنغمس شخصياً في هذا العالم السري تحت الأرض، وتستمتع بالسير في الممرات المتعرجة، ودفء ضوء الشموع، والصمت الغامض الرنان…

متحف المجد الحزبي

يُعد متحف المجد الحزبي في قرية نيروبايسكه مجمعاً تذكارياً فريداً يتيح للزائر أن يلامس فعلياً الماضي البطولي لمنطقة أوديسا. وهو واحد من قلة قليلة من المتاحف تحت الأرض في العالم، إذ يقع على عمق يقارب 12 إلى 14 متراً داخل المتاهات المتشعبة لسراديب أوديسا.
افتُتح المتحف عام 1969 في الموقع الذي تمركزت فيه خلال الحرب العالمية الثانية واحدة من أشهر مجموعات الأنصار — وهي المجموعة التي كانت تحت قيادة فولوديمير مولودتسوف-باداييف. وقد أصبحت السراديب، التي تشكلت نتيجة استخراج حجر الصدف الكلسي، ملاذاً آمناً لمئات الأشخاص الذين واصلوا مقاومة المحتلين في ظروف شديدة القسوة من الظلام الدامس والرطوبة.
يتكوّن المجمع المتحفي من قسمين: قسم فوق الأرض وآخر تحت الأرض.
يضم القسم العلوي وثائق أرشيفية وصوراً فوتوغرافية ونماذج من الأسلحة ومقتنيات شخصية للمقاتلين. ويمكن هنا التعرّف إلى تاريخ تشكّل الحركة الحزبية في المنطقة والأهمية الاستراتيجية للسراديب.
أما القسم السفلي فهو قلب المتحف الحقيقي. ففيه أُعيد إنشاء الحياة اليومية لمعسكر الأنصار بصورة أصيلة. ويمكن للزوار مشاهدة:
مقر القيادة ومركز الاتصالات، حيث كانت تُتخذ القرارات المصيرية.
أماكن السكن والمستشفى، حيث كان الجرحى يُعالجون بين الجدران الحجرية.
المدرسة و«غرفة لينين»، اللتان تشهدان على محاولة الحفاظ على شكل من أشكال الحياة الطبيعية حتى تحت الأرض.
ورش العمل ومستودعات الأسلحة، حيث كانت تُحضَّر العمليات التخريبية.
وتُضفي الرسومات الموجودة على الجدران، التي أنجزها الأنصار باستخدام الفحم، إضافة إلى الأدوات الأصلية من تلك الفترة، أجواءً خاصة جداً على المكان.

جولة في السراديب «البرية» تحت قرية نيروبايسكه

العالم تحت الأرض في أوديسا واسع ومتنوّع. نحن نقدم جولات استكشافية ذات طابع مغامر إلى السراديب «البرية» (أي السراديب كما هي في طبيعتها الأصلية). ستشاهدون كيف كان يُستخرج حجر الصدف الشهير في أوديسا فعلياً، وستتمكنون من لمس التاريخ الخفي للمدينة، والبقاء للحظات في عزلة مع الصمت… أما السراديب، فمن خلال روايات مرشدينا، فستهمس لكم بحكايات المدينة البسيطة عن المهرّبين وعن المواطنين الشرفاء الذين صنعت أيديهم هذه المدينة المشهورة عالمياً…
تتضمن المسارات عدة مستويات من الصعوبة، لذلك ستكون التجربة ممتعة سواء للمتمرسين في استكشاف العالم السفلي أو للأشخاص الذين قرروا للمرة الأولى التعرف إلى عالم أوديسا تحت الأرض. وستتاح لكم الفرصة، تحت إشراف مختصين ذوي خبرة، لتجربة التوجيه داخل السراديب بأنفسكم (باستخدام خرائط السراديب والعلامات الموجودة على الجدران). وقد خضع جميع المرشدين لتدريب خاص، ويتمتعون بخبرة واسعة في تنظيم مثل هذه الأنشطة.

مهم!

يُمنع منعاً باتاً تنظيم الجولات في السراديب للأشخاص الذين يعانون من رهاب الأماكن المغلقة ورهاب الظلام (الخوف من الظلام). كذلك، فإن المدخل والسلالم المؤدية إلى السراديب غير مهيأة للأشخاص ذوي الإعاقة. ويُمنع منعاً باتاً زيارة السراديب في حالة عدم الاتزان أو تحت تأثير الكحول! القيود العمرية: الأطفال من سن 7 سنوات (ويُمنع دخول الأطفال دون 7 سنوات إلى السراديب) حتى 15 سنة يزورون الجولة برفقة الوالدين (أحد الوالدين)، أو في حال الزيارة الجماعية برفقة بالغين مفوضين بمعدل شخص بالغ واحد لكل 5–7 أطفال (بحسب أعمار الأطفال).
تذكير: يجب إحضار ملابس دافئة معكم أثناء الجولة (حتى في فصل الصيف) — إذ إن درجة الحرارة داخل المحاجر ثابتة وتبلغ 14 درجة مئوية، وكذلك أحذية مريحة مناسبة للمشي. وخلال الجولة يتم توفير أغطية أحذية للاستعمال مرة واحدة، وأغطية رأس تُلبس تحت الخوذة، وخوذ واقية، ومصابيح يدوية فردية.

للأسف، خلال فترة سريان الأحكام العرفية، لا نقوم بتنظيم جولات إلى السراديب «البرية» تحت قرية نيروبايسكه.


مكان التجمع:


سراديب تحت مركز أوديسا (مولدافانكا)